الصالحي الشامي
423
سبل الهدى والرشاد
الباب الخامس والعشرون في سبب نزول أول سورة ( عبس ) روى الترمذي وحسنه وابن المنذر وابن حبان عن عائشة وعبد الرزاق وعبد بن حميد ، وأبو يعلى عن أنس وابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس ، وسعيد بن منصور عن أبي مالك ، وابن سعد وابن المنذر عن الضحاك . وعبد بن حميد وابن المنذر عن مجاهد ، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لقي رجلا من أشراف فدعاه إلى الإسلام وهو يرجو أن يسلم . قال ابن إسحاق : وهو الوليد بن المغيرة . وقال أنس وأبو مالك : أمية بن خلف . وقالته عائشة ومجاهد : كان في مجلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيه ناس من وجوه قريش منهم أبو جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة وأمية بن خلف فيقول لهم : أليس حسنا ما جئت به ؟ فيقولون بلى والله . وفي رواية هل ترون بما أقول بأسا ؟ فيقولون : لا . فجاء ابن أم مكتوم الأعمى وهو مشتغل بهم فسأله ولم يدر أنه مشغول بذلك وجعل يستقرئه القرآن ويقول : يا رسول الله أرشدني علمني مما علمك الله . فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى أضجره . وذلك أنه شغله عما كان فيه من أمر أولئك النفر وما طمع فيه من إسلامهم ، فلما أكثر على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انصرف عن ابن أم مكتوم وتركه . فعاتبه الله تعالى في ذلك فقال ( عبس ) النبي صلى الله عليه وآله وسلم كلح وجهه ( وتولى ) أعرض لأجل ( أن جاءه الأعمى ) عبد الله ابن أم مكتوم . قال السهيلي : وفي ذكره إياه بالعمى من الحكمة والإشارة اللطيفة التنبيه على موضع العتب لأنه قال : ( أن جاءه الأعمى ) فذكر المجئ مع العمى ، وذلك كله ينبئ عن تجشم كلفة ومن تجشم القصد إليك على ضعفه فحلقك الإقبال عليه لا الإعراض عنه . وفائدة أخرى : وهي تعليق الحكم بهذه الصفة متى وجدت وجب ترك الإعراض ، فإذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم معتوبا على توليه عن الأمي فغيره أحق بالعتب . ( وما يدريك ) يعلمك ( لعله ) أي الأعمى أو الكافر ( يزكى ) فيه إدغام التاء في الأصل في الزاي ( أو يذكر ) أي يتعظ ( فتنفعه الذكري ) العظة المسموعة منك . وفي قراءة بنصب تنفعه جواب الترجي . ( أما من استغنى ) بالمال . فأنت له تصدى . وفي قراءة بتشديد الصاد وبإغدام الثانية في الأصل فيها ، أي تقبل وتتعرض ( وما عليك ألا يزكى ) يؤمن ( وأما من جاءك يسعى ) حال من فاعل جاء ( وهو يخشى ) الله حال من فاعل يسعى وهو الأعمى . ( فأنت عنه تلهى ) فيه حذف التاء الأخرى في الأصل أي تتشاغل ( كلا ) لا تفعل مثل ذلك . فلما نزلت هذه الآيات دعاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأكرمه ، واستخلفه على المدينة ثلاث عشرة